مركز الحنان للصحة النفسية واتساب

عندما يكبر طفل التوحد… ماذا يحدث في مرحلة المراهقة؟

 

كيف تبدو المراهقة لدى الطفل المصاب بالتوحد؟ وهل تختلف فعلًا عن المراهقة المعتادة؟

مرحلة المراهقة ليست سهلة على أي طفل. فهي مرحلة انتقالية مليئة بالتغيرات الجسدية، والهرمونية، والانفعالية، والاجتماعية. لكن عندما يكون الطفل مصابًا باضطراب طيف التوحد، قد تبدو هذه المرحلة أكثر حساسية وتعقيدًا، ليس لأنها غريبة أو غير طبيعية، بل لأن الطفل التوحدي يتعامل مع العالم بطريقة مختلفة، ويحتاج إلى من يفهم هذه الطريقة لا من يستعجل الحكم عليها.

المراهقة عند الطفل المصاب بالتوحد ليست مرضًا جديدًا، وليست تراجعًا حتميًا في حالته، لكنها مرحلة تحتاج إلى وعي أكبر من الأسرة، ومتابعة أدق، وصبر أوسع.

مراهقة مختلفة… لكنها ليست غريبة

مثل جميع المراهقين، يمر الطفل المصاب بالتوحد بتغيرات طبيعية في جسده ومشاعره. قد يزداد طوله بسرعة، يتغير صوته، تظهر عليه علامات البلوغ، وتبدأ لديه مشاعر جديدة لا يعرف كيف يفسرها أو يعبّر عنها.

لكن الفرق أن هذه التغيرات قد تكون أكثر إرباكًا له؛ لأن كثيرًا من الأطفال المصابين بالتوحد يعانون أصلًا من صعوبة في فهم المشاعر، أو التعبير عنها، أو تفسير ما يحدث داخل أجسادهم. كما أن الحساسية الزائدة للأصوات، واللمس، والروائح، وتغيّر الروتين اليومي قد تجعل مرحلة المراهقة أكثر ضغطًا عليهم.

لذلك قد تلاحظ الأسرة في هذه المرحلة بعض التغيرات، مثل:

زيادة نوبات الغضب أو القلق، رفض بعض الأنشطة الجديدة، صعوبة تقبّل المسؤوليات، تراجع مؤقت في التواصل الاجتماعي أو التواصل البصري، أو ظهور فضول واضح تجاه الجسد والتغيرات الفسيولوجية.

هذه السلوكيات لا تعني بالضرورة أن الطفل “ساءت حالته”، بل قد تكون طريقته في التعبير عن ارتباك داخلي لا يستطيع شرحه بالكلمات.

التحدي الأكبر: فهم الذات والمشاعر

مع دخول مرحلة المراهقة، يبدأ الطفل أو المراهق المصاب بالتوحد في ملاحظة الاختلاف بينه وبين من حوله، حتى لو لم يعبّر عن ذلك بشكل مباشر. قد يشعر أنه مختلف عن زملائه، أو أنه لا يفهم قواعد العلاقات الاجتماعية مثلهم، أو أنه غير قادر على مجاراة أحاديثهم واهتماماتهم.

هذا الشعور قد يسبب له عزلة، أو قلقًا، أو انسحابًا من التجمعات، خاصة في المدرسة أو المناسبات العائلية. وهنا تقع على الأسرة والمربين مسؤولية كبيرة: أن يطمئنوه، لا أن يضغطوا عليه؛ أن يشرحوا له، لا أن يوبخوه؛ وأن يمنحوه الأمان بدلًا من المقارنة.

من المهم أن يسمع المراهق المصاب بالتوحد رسائل واضحة مثل:
أنت محبوب كما أنت.
اختلافك لا يعني أنك أقل من غيرك.
نحن هنا لنفهمك ونساعدك، لا لنغيّرك بالقوة.

فالخطأ الشائع أن يظن البعض أن الطفل التوحدي لا يشعر، أو لا يفهم، أو لا يتأثر بالكلام. والحقيقة أنه يشعر بعمق، لكنه قد لا يمتلك اللغة المناسبة للتعبير عن هذا الشعور.

لماذا تزداد بعض السلوكيات في المراهقة؟

في هذه المرحلة، قد تزداد بعض السلوكيات التي كانت موجودة سابقًا، مثل العناد، الانسحاب، نوبات الغضب، التكرار، أو التعلق بروتين معين. والسبب غالبًا ليس “سوء تربية”، بل تراكم ضغوط داخلية وخارجية.

المراهق المصاب بالتوحد قد يجد صعوبة في التعامل مع جسده المتغير، أو فهم انجذابه العاطفي، أو إدراك الحدود الاجتماعية والجسدية. وقد يشعر بالارتباك عندما يطلب منه المحيط أن يتصرف “مثل الكبار” بينما لم يحصل بعد على شرح واضح يناسب قدرته على الفهم.

هنا يجب أن نتذكر أن السلوك رسالة. وكلما كان السلوك مزعجًا أو متكررًا، كان علينا أن نسأل: ما الذي يحاول هذا الطفل أن يقوله ولا يستطيع التعبير عنه؟

التربية الجنسية والحدود الشخصية

من أكثر الموضوعات حساسية في مرحلة مراهقة الطفل المصاب بالتوحد موضوع الخصوصية الجسدية والحدود الشخصية. تجاهل هذا الجانب لا يحمي الطفل، بل قد يجعله أكثر عرضة للارتباك أو الاستغلال.

يحتاج المراهق التوحدي إلى تعليم واضح، بسيط، ومتكرر حول جسده، وخصوصيته، وما هو مسموح وغير مسموح. يجب أن يعرف أن هناك أماكن خاصة في الجسد، وأن بعض السلوكيات لا تُمارس أمام الآخرين، وأن له حقًا في رفض اللمس غير المريح، كما أن عليه احترام حدود أجساد الآخرين.

هذا التعليم يجب أن يتم بهدوء واحترام، بعيدًا عن التخويف أو العيب أو الإحراج. فالمطلوب ليس زرع الخوف في داخله، بل مساعدته على فهم نفسه وحماية جسده بطريقة آمنة.

متى يحتاج الأهل إلى استشارة مختص؟

ليست كل تغيرات المراهقة خطيرة، لكن هناك علامات تستدعي استشارة طبيب نفسي للأطفال والمراهقين، أو أخصائي سلوك، أو أخصائي علاج وظيفي، خاصة إذا ظهرت بشكل مفاجئ أو حاد.

من هذه العلامات:
زيادة شديدة في نوبات الغضب، اضطراب واضح في النوم، إيذاء النفس، فقدان مهارات كان الطفل قد اكتسبها، قلق شديد، عزلة غير معتادة، تغيرات كبيرة في الشهية، أو سلوكيات جنسية غير مفهومة أو متكررة.

كما يُنصح بمتابعة الصحة الجسدية والهرمونية مع طبيب مختص، لأن بعض التغيرات السلوكية قد تكون مرتبطة بألم جسدي، اضطراب نوم، مشكلات هضمية، تغيرات هرمونية، أو آثار جانبية لبعض الأدوية.

كيف تساعد الأسرة المراهق المصاب بالتوحد؟

أهم ما يحتاجه المراهق المصاب بالتوحد في هذه المرحلة هو بيئة آمنة، واضحة، ومتوقعة. الروتين يساعده على الشعور بالاستقرار، لكن ذلك لا يعني منعه من التطور. يمكن إدخال المسؤوليات الجديدة بالتدريج، مع شرح بسيط وتدريب عملي وصبر كافٍ.

من المفيد استخدام لغة مباشرة وواضحة، وتجنب التلميحات أو العبارات الغامضة. كما يمكن الاعتماد على الصور، الجداول، القصص الاجتماعية، الكتابة، أو الرسم لمساعدته على فهم التغيرات والمواقف الجديدة.

كذلك يحتاج الأهل إلى التركيز على نقاط قوته، لا فقط على مشكلاته. فالمراهق التوحدي قد يمتلك ذاكرة قوية، أو اهتمامًا عميقًا بمجال معين، أو صدقًا عاطفيًا، أو قدرة عالية على الملاحظة. عندما يشعر أن أسرته ترى قدراته، يصبح أكثر استعدادًا للتعاون والتعلم.

كلمة إلى الأهل

مرحلة المراهقة قد تكون مرهقة، لكنها ليست مرحلة خوف. إنها بوابة جديدة لفهم طفلك بطريقة أعمق. قد يبدو أكثر حساسية، أو أكثر غضبًا، أو أقل تواصلًا، لكنه في كثير من الأحيان لا يبتعد عنكم، بل يحاول أن يعيد ترتيب عالمه الداخلي وسط تغيرات لا يعرف كيف يفسرها.

لا يحتاج المراهق المصاب بالتوحد إلى السيطرة عليه بقدر ما يحتاج إلى من يرافقه. لا يحتاج إلى اللوم المستمر، بل إلى شرح هادئ. لا يحتاج إلى المقارنة بإخوته أو أقرانه، بل إلى قبول صادق يساعده على النمو وفق قدراته وإيقاعه الخاص.

المراهقة عند الطفل المصاب بالتوحد ليست نهاية الهدوء، وليست بداية الفوضى بالضرورة. إنها مرحلة وعي جديد، وفرصة لبناء علاقة أكثر نضجًا وعمقًا بين الأهل وابنهم، علاقة تقوم على الفهم، والاحترام، والحب غير المشروط.

فكلما شعر المراهق التوحدي أنه مفهوم وآمن، أصبح أكثر قدرة على عبور هذه المرحلة بثقة وطمأنينة.

مراجعة المقال

إعداد المقال: د. حنان عليا

المراجعة الطبية: د. حنان عليا

تاريخ النشر: يونيو 26, 2026

تاريخ آخر تحديث: يوليو 2026

المقال للتوعية ولا يغني عن التقييم المباشر لدى مختص.

شارك المقال
واتساب حجز استشارة
واتساب